السيد محمد حسين فضل الله

10

من وحي القرآن

وهناك ملاحظة أخرى في المسألة ، وهي أنّ تعدد المعنى في الاستعمال الواحد ، ليس مألوفا في الطريقة العامة للكلام ، لأنّه لا ينسجم مع أسلوب التفاهم ، حتى في الكلمات المشتركة بين أكثر من معنى ، لأنّ الوضع للمعاني المتعددة لا يفرض استعمالها ، بل يعني حاجة كلّ واحد منها في إرادته من اللفظ إلى قرينة حالية أو مقالية ، وإذا كان النّاس يتحدثون عن « المجمل » ، فإنّه يوحي بالإجمال في معرفة المعنى المراد من اللفظ مع احتماله بين أكثر من معنى ، ولذلك فإنّ المسألة ليست مسألة الإمكان والاستحالة من حيث الذات ، بل هي مسألة المنهل الفني في استعمال الكلام في التفهيم لدى العرب ، فلو أريد هذا اللون من التعدد من الكلام ، لكان بعيدا عن النهج المألوف لديهم من خلال إخلاله بالوضوح ، وابتعاده - بذلك - عن مستوى البلاغة الذي يتنافى مع الإعجاز الفني الذي يرتفع به القرآن إلى أعلى قمّة في الفن البلاغي ؛ هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، ما معنى أن يكون المعنى الباطن مخزونا لدى الراسخين في العلم وما فائدة ذلك ؟ فإن كان ذلك من جهة أنّهم حجج اللَّه الذين لا بدّ من أن يقبل قولهم في أسرار الدّين ، حتى لو لم يكن ذلك مفهوما من اللفظ ، فإنّ طبيعة الحجية تفرض ذلك من دون حاجة إلى تضمين القرآن لذلك ، لأنّ عصمتهم تؤكد صدقهم ، فتؤدي إلى قبول تلك الحقائق الخفية منهم ، وإن كان ذلك من خلال الطبيعة الذاتية للدلالة القرآنية ، فإنّ المفروض عدم وجود ظهور للقرآن في ذلك . والسؤال : كيف نفهم ذلك ؟ قد يكون من المفيد التحدّث في هذا المجال عن نقطة مهمة في تكوين أيّة فكرة حول القضايا الفكرية الإسلامية ، وهي ضرورة التأكد من صحة الأحاديث المروية عن النبيّ محمّد صلّ اللَّه عليه وآله وسلّم وعن الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام ،